ابن حجر العسقلاني

231

فتح الباري

وبيان اختلاف ألفاظ نقلته عن علي وبيان المراد بالعقل وفكاك الأسير وأما ترك قتل المسلم بالكافر فأخذ به الجمهور إلا أنه يلزم من قول مالك في قاطع الطريق ومن في معناه إذا قتل غيلة أن يقتل ولو كان المقتول ذميا استثناء هذه الصورة من منع قتل المسلم بالكافر وهي لا تستثني في الحقيقة لان فيه معنى آخر وهو الفساد في الأرض وخالف الحنفية فقالوا يقتل المسلم بالذمي إذا قتله بغير استحقاق ولا يقتل بالمستأمن وعن الشعبي والنخعي يقتل باليهودي والنصراني دون المجوسي واحتجوا بما وقع عند أبي داود من طريق الحسن عن قيس بن عباد عن علي بلفظ لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده وأخرجه أيضا من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأخرجه ابن ماجة من حديث ابن عباس والبيهقي عن عائشة ومعقل ابن يسار وطرقه كلها ضعيفة إلا طريق الأولى والثانية فان سند كل منهما حسن وعلى تقدير قبوله فقالوا وجه الاستدلال منه أن تقديره ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر قالوا وهو من عطف الخاص على العام فيقتضى تخصيصه لان الكافر الذي يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوى له والأعلى فلا يبقى من يقتل بالمعاهد إلا الحربي فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسويه بين المعطوف والمعطوف عليه قال الطحاوي ولو كانت فيه دلاله على نفي قتل المسلم بالذمي لكان وجه الكلام أن يقول ولا ذي عهد في عهده وإلا لكان لحنا والنبي صلى الله عليه وسلم لا يلحن فلما لم يكن كذلك علمنا أن ذا العهد هو المعنى بالقصاص فصار التقدير لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر قال ومثله في القرآن واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن فان التقدير واللائي يئسن من المحيض واللائي لم يحضن وتعقب بان الأصل عدم التقدير والكلام مستقيم بغيره إذا جعلنا الجملة ويؤيده اقتصار الحديث الصحيح على الجملة الأولى ولو سلم أنها للعطف فالمشاركة في أصل النفي لا من كل وجه وهو كقول القائل مررت بزيد منطلقا وعمرو فإنه لا يوجب أن يكون بعمرو منطلقا أيضا بل المشاركة في أصل المرور وقال الطحاوي أيضا لا يصح حمله على الجملة المستأنفة لان سياق الحديث فيما يتعلق بالدماء التي يسقط بعضها ببعض لان في بعض طرقه المسلمون تتكافأ دماؤهم وتعقب بان هذا الحصر مردود فان في الحديث أحكاكا كثيرة غير هذه وقد أبدى الشافعي له مناسبة فقال يشبه أن يكون لما أعلمهم أن لا قود بينهم وبين الكفار أعلمهم أن دماء أهل الذمة والعهد محرمة عليهم بغير حق فقال لا يقتل مسلم بكافر ولا يقتل ذو عهد في عهده ومعنى الحديث لا يقتل مسلم بكافر قصاصا ولا يقتل من له عهد ما دام عهده باقيا وقال ابن السمعاني وأما حملهم الحديث على المستأمن فلا يصح لان العبرة بعموم اللفظ حتى يقوم دليل على التخصيص ومن حيث المعنى ان الحكم الذي يبنى في الشرع على الاسلام والكفر إنما هو لشرف الاسلام أو لنقص الكفر أو لهما جميعا فان الاسلام ينبوع الكرامة والكفر ينبوع الهوان وأيضا إباحة دم الذمي شبهة قائمة لوجود الكفر المبيح للدم والذمة إنما هي عهد عارض منع القتل مع بقاء العلة فمن الوفاء بالعهد أن لا يقتل المسلم ذميا فان اتفق القتل لم يتجه القول بالقود لان الشبهة المبيحة لقتله موجودة ومع قيام الشبهة لا يتجه القود ( قلت ) وذكر أبو عبيد بسند صحيح عن زفر أنه رجع